๑۩۩๑ المملكـــــــــــة الأدبيــــــــــــة ๑۩۩๑
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

إن كنت من أعضاءنا الأكارم يسعدنا أن تقوم بالدخول

وان لم تكن عضوا وترغب في الإنضمام الى اسرتنا
يشرفنا أن تقوم بالتسجيل

العبيدي جو ادارة المملكة الأدبية

قِنَّسرين أو عش النسور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قِنَّسرين أو عش النسور

مُساهمة من طرف حسناء العمري في 1/3/2010, 7:20 am




قِنَّسرين أو عش النسور

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 98 - السنة الخامسة والعشرون - حزيران 2005 - جمادى الأولى 1426

قِنَّسرين أو عش النسور ـــ عبد الرحمن بدر الدين

إلى الجنوب من مدينة حلب، وبانحراف ضئيل نحو الغرب، تقوم أطلال قرية على نشز من الأرض كانت لها أهمية ملحوظة وتاريخ عريض، منذ قبل الميلاد بأكثر من قرنين ونصف وحتى القرن الثالث عشر الميلادي، إنها قنسرين، ويقوم إلى جانبها حاضرها الذي لا يزال معموراً بعض الشيء، والذي كان يدعى بحاضر طي. ولنبدأ قصة هذه المدينة التي أصبحت قرية مغمورة وأطلالاً دارسة في الوقت الحاضر، وحملت أسماء شتى خلال العهود التاريخية التي مرَّت عليها.

قدم المدينة وأسماؤها:

ليس من السهل معرفة التأريخ الذي بنيت فيه هذه المدينة "قنسرين"، إلا أنه من المؤكد أنها كانت مأهولة في العصر اليوناني، وربما اجتاحتها جحافل الاسكندر المكدوني عند بنائه لإمبراطوريته وتوسعه نحو الشرق لقتال دولة الفرس. مما سمح لقواده اقتسام ممتلكاته بعد وفاته، فكانت بلاد الشام من نصيب القائد سلوقس، وبداهة أن قنسرين أصبحت جزءاً من الدولة السلوقية، وكان اسمها آنذاك حسب الوثائق التاريخية خالكيس.

عمد السلوقيون إلى تحصين المدينة معترفين بذلك بأهمية موقعها العسكري، وما تميزت به من أسواق وحُرِّفَ، بالإضافة إلى وجودها على نهر قويق كحصن منيع([2]).

وفي العصر الروماني حُزِّي الاسم فأصبح شالسيس Chalcis أو كلسس، كما أطلق عليها اسم بيلوم Belum([3]).

وعمل الرومان على تنشيطها اقتصادياً فأنشأوا طريقاً معبدة تصلها بأنطاكية، أي أصبح لها نافذة على البحر، وقد بقيت هذه الطريق مطروقة ومستخدمة حتى القرن الثالث عشر الميلادي.

كما هدف الرومان من وراء ذلك إلى جعل المدينة موقعاً متقدماً لرصد التحركات العسكرية الواقعة إلى الشرق منها والتي امتد تأثيرها حتى مدينة تدمر التي أصبحت نظرياً بمثابة الحد الفاصل بين النفوذين الروماني والفارسي اللذين كانا على علاقات سيئة وقتال شبه مستمر، وفي الواقع إن هدف الرومان من احتلالهم ولاية سورية جعلها قاعدة ضد الفرثيين، بالإضافة إلى استغلالهم موارد المنطقة وخيراتها، بينما كان الفرثيّون يرغبون بالسيطرة على الطريق التجاري الممتد من سواحل المتوسط وحتى منطقة تمركزهم في الخليج العربي، وكانت قنسرين في هذه الحقبة تنتقل من سيطرة الرومان إلى سيطرة الفرس وبالعكس، واستمر هذا الوضع حتى قيام دولة تدمر وبسطها لسلطتها على جميع بلاد الشام وأجزاء من آسيا الصغرى وامتداد نفوذها على أجزاء من مصر وبذلك أصبحت قنسرين جزءاً من دولة زنوبيا ملكة تدمر، وسارع الرومان للقضاء على الدولة الناشئة زمن الإمبراطور أورليان (270 ـ 275م) ولم تستطع زنوبيا رفع حصار الرومان عن مدينة تدمر، فحاولت الهرب نحو الفرات حيث يعسكر الفرس، إلا أن الرومان ألقوا القبض عليها وسيقت أسيرة إلى روما.

وعندما انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين شرقية وغربية أصبحت بلاد الشام ضمن منطقة سيطرة الروم الشرقيين "البيزنطيين" عليها، وقد ورثوا أيضاً تحمل عبء القتال ضد الفرس، وقد عمل الفريقان على إيجاد حلفاء لهم من زعماء القبائل العربية، فكان الغساسنة أصدقاء للبيزنطيين وحلفاءَهم في سورية بينما اعتمد الفرس على جيرانهم وأصدقائهم المناذرة، وكان العداء مُسْتَعِراً بين الفريقين ومعظم ضحاياه من حلفاء الدولتين المتعاديتين (بيزنطة، والفرس) وأدى هذا العداء إلى خراب العديد من المدن ودمارها، وقد عمد الإمبراطور جوستنيان إلى تحصين بعض المدن وبناء أسوار ضخمة لها ومن بينها مدينة قنسرين عام 554م وكانت قد تعرضت إلى دمار كبير من قبل الفرس.

عيَّن البيزنطيون عام 529م الحارث بن جبله الغساني أميراً على جميع القبائل العربية المقيمة في سورية، وكان نصرانياً من أتباع مذهب اليعاقبة، ومنحه الإمبراطور البيزنطي لقب فيلارك Phylarek وهو أكبر لقب بعد الإمبراطور([4]).

كانت القبائل العربية المقيمة في قنسرين وحاضرها قبل الإسلام قبائل بني تنوخ وبني طيّء([5]) بينما كانت القبائل العربية المقيمة في الجزء الشرقي من جزيرة العرب متأثرة بالنفوذ الفارسي لقربها من إمبراطوريتهم وكان زعيمها المنذر الثالث أمير الحيرة وزعيم المناذرة، ولقد تجلى العداء بين الإمبراطورين بالغارات المستمرة بين حلفائهما الغساسنة والمناذرة والمعارك الطاحنة ومن أشهرها ما دعاه المؤرخون العرب بمعركة يوم حليمة نسبة لحليمة بنة الحارث الغساني، وكانت ساحة المعركة ضواحي قنسرين وذلك عام 555م والتي انتهت بانتصار الحارث الموالي للبيزنطيين ومقتل المنذر الثالث الموالي للفرس([6]).

وهنالك من يقول: إن اسم قنسرين هو سرياني الأصل ويلفظ بقنشرين أي بيت النسور، ومن المعروف أن النسور تبني بيوتها في أعالي القمم الجبلية، بينما نجد أن قنسرين القديمة هذه مبنية على رابية محصنة وعالية ومدينة مسورة منخفضة على منحدر أعلى من مستنقعات المتخ([7]).

إن هذا الوصف لا ينطبق على أعالي القمم، ولقد فسَّر السريان كلمة قنسرين أي بيت النسر كناية عمّا ظهر فيها من أعلام سواء في النواحي الدينية والعلمية، والذين سنأتي على ذكر بعضهم لاحقاً.

وقد جاء في قاموس الكتاب المقدس أن قنسرين كان اسمها صوبا بالعبرية([8]) ويقال فيها قنسرون بفتح النون بعد القاف وكسرها. وقال أبو بكر الأنباري: قنسرون أُخذت من قول العرب: رجل قنسري أي مُسِنّ([9]) وبهذا المعنى يقول رؤبة بن العجاج في أرجوزته:

أَطَرَباً وأنتَ قِنَّسْرِيُّ

والدهْرَ بالإنسان دَوّارِيُّ

أما القول بأن قنسرين هي صوبا باللغة العبرية، كما جاء في قاموس الكتاب المقدس (فإن الأبحاث الأثرية والموثقة تشير إلى أن صوبا هي قرية عنجر الحالية اللبنانية الواقعة قرب الحدود مع سورية، وكانت تشكل مملكة امتد نفوذها إلى دمشق وحماة، كما كانت في نزاع دائم مع العبرانيين.

وقد ورد في قاموس الكتاب المقدس ما يلي:

"صوبا من ممالك آرام إلى غرب الفرات، امتد سلطانها من حدود حماة إلى الشمال الغربي، وكانت دمشق إلى جنوبها أو إلى الجنوب الغربي منها لأن إحدى مدنها بيروثاي([10]) كانت واقعة بين حماة ودمشق، وفي عصرها الذهبي كانت باسطة نفوذها حتى الفرات شرقاً وإلى حوران جنوباً وكانت علاقاتها مع جيرانها من المؤابين والعبرانيين سيئة([11]).

إن هذه الأوصاف التي أشار إليها قاموس الكتاب المقدس تنطبق على صوبا المسماة حالياً باسم عنجر، وكانت تشكل مملكة امتد نفوذها إلى دمشق وحماة، ونخلص من ذلك إلى أن صوبا الثانية وهي ما تسمى حالياً قنسرين امتد نفوذها على المناطق المجاورة لها والتي وصلت إلى السلمية شرقاً، ومنبج شمالاً، وأنطاكية غرباً، وهذا يجعلني أميل إلى القول أن صوبا "عنجر" هي التي عناها قاموس الكتاب المقدس وليست قنسرين بدلالة وجود نزاع بين صوبا والعبرانيين والمؤابين المجاورين لحدودها.

استمر النزاع بين البيزنطيين والفرس حتى قبيل الإسلام، وقد تعرضت قنسرين إلى دمار كبير على يد كسرى في العام 540م.

ولكن ما لبث البيزنطيون أن استعادوا السيطرة عليها، ولما كان العداء مستمراً بين الدولتين، فقد عاود الفرس احتلالها ثانية في العام 614م وأصبحت مركزاً إدارياً ساسانياً لشمال سورية بأكمله([12]) وقد رشحها هذا الدور لتصبح مركزاً هاماً للجند بعد تحريرها من قبل العرب، وكان ذلك في العام 15هـ/ 637م.

كان أبو عبيدة بن الجراح قد سار بعد معركة اليرموك إلى حمص بغية تحريرها من البيزنطيين وصالح أهلها ثم توجه إلى قنسرين وكان على مقدمة جيشه خالد بن الوليد، فقاتله أهل المدينة ثم لجأوا إلى حصونهم وطلبوا الصلح، فصالحهم أبو عبيدة على مِثْلِ ما صالح عليه أهل حمص ودعاهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم وأقام على النصرانية بعضهم الآخر([13]) وتابع أبو عبيدة زحفه نحو حلب ثم بلغه أن أهل قنسرين نقضوا الصلح، فوجه إليهم السمط بن الأسود الكندي فأعاد فتحها([14]) ووضعها تحت إدارة مدينة حمص([15]) وفي العام 18هـ/ 639م توفي أبو عبيدة بطاعون عمواس، فعيَّن الخليفة عمر بن الخطاب عياض بن غنم عاملاً على حمص وقنسرين([16])، كما ولَّى عبادة بن الصامت منصب القضاء فيهما.

ويورد ياقوت الحموي آراء في أصل تسمية قنسرين منها:

"أن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق العبسي ووجهه في ألف فارس إثر العدو، فمر على قنسرين، فجعل ينظر إليها فقال ما هذه فسميت له بالرومية فقال: والله لكأنها قنسرون فسميت قنسرين، ثم مضى حتى بلغ الدرب فكان أول من جاوزه من المسلمين([17]) ورأي آخر يذكر أن ميسرة بن مسروق العبسي مرَّ عليها فلما نظر إليها قال: ما هذه فسميت له بالرومية فقال والله لكأنها قِنُّ نَسر فسميت قنسرين.

كما يقال في تسميتها إن رجلاً من عبس يسمى ميسرةً نزل بها فقال: "ما أشبه هذه بقن نَسْرَين فبنى منه اسماً للمكان([18]).

وقنسرين مدينة تنسب الكورة إليها وهي من أضيق تلك النواحي بناءً وإن كانت نزهة الظاهر في موضعها لما كان بها من الرخص والسعة في الخيرات والمياه([19]).

أما الكور التابعة لها فهي: كورة معرة مصرين، مرتحوان، سرمين، وحيار بني القعقاع، دلوك، رعبان، حلب، والعواصم، قورس، الجومة، منبج، أنطاكية، تيزين وبوقا، بالس، ورصافة هشام([20])، ويقال لقنسرين هذه قنسرين الأولى باستثناء حيار بني القعقاع التي يجعلها ابن واضح قنسرين الثانية([21]).

أحداث شهدتها قنسرين:

استمر وضع قنسرين على ما هي عليه في العصر الراشدي وزمن معاوية بن أبي سفيان، في حين عمد ابنه يزيد إلى إحداث جند قنسرين عام 61/ 680م إضافة إلى الأجناد الأخرى التي أحدثت زمن الراشدين وهي: جند دمشق، جند الأردن وفيه الجليل، وجند فلسطين وتشمل الأراضي الممتدة إلى الجنوب من مرج ابن عامر.

كان الهدف من إحداث جند قنسرين السيطرة على الأراضي الممتدة من أنطاكية إلى الجزيرة وتنظيم إدارتها، إلا أن الجزيرة ما لبثت أن فصلت عام 74هـ/ 693م وأصبحت مهمتها السيطرة على ما تضمه من مدن وبخاصة تلك المجاورة للبيزنطيين، وقد أطلق عليها آنذاك اسم الثغور وكانت قنسرين محاطة بسور كبير، إلا أن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أمر بهدمه إثر معركة كربلاء ومقتل الحسين بن علي ومعظم آل بيته وأقاربه، ويذكر صاحب كتاب الروض المعطار أنه لم يبق من ذلك السور إلا آثار بسيطة، وإن قنسرين نفسها كانت تقع على نهر قويق الذي يصلها من حلب ثم يغوص في الأجمة([22]).

وفي فترة الاضطرابات التي تلت تنازل معاوية الثاني عن الخلافة، ومبايعة مروان بن الحكم في الجابية، ثارت عليه قبيلة كلب، إلا أنه قضى على الثورة، وأخذ يعد العدة لإخضاع العراق لسلطته، إلا أنه فوجئ بقيام ثورة ضده في الرصافة بقيادة سليمان بن هشام الذي أخذ يوسع نفوذه واحتل قنسرين، فأوقف مروان زحفه نحو العراق وتوجه لقتال سليمان والقضاء على ثورته([23])، وما إن استشرت الدعوة لمبايعة عبد الله بن الزبير بالخلافة وكاد أن يتم له الأمر في العراق حتى ثارت قبيلة قيس بزعامة زفر بن الحارث وطردت أمير قنسرين وكان من قبيلة كلب لتعلن ولاءها لابن الزبير([24])، ومن المؤكد أن قنسرين بقيت وحاضرها في العصر الأموي خط دفاع أولي ومركزاً لتجمع الجند للذود عن حياض الدولة ولمهاجمة البيزنطيين، إلا أن بعض الأحداث تتالت عليها وذلك زمن انتقال الحكم إلى العباسيين إذ يذكر الطبري في تاريخه، وفي حوادث عام 132هـ/ 750م "إن جماعة من أهل قنسرين وحمص وتدمر تجمعوا وقدمهم ألوف عليهم أبو محمد ابن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمد ودعوا إليه وقالوا "هو السفياني الذي جاء ذكره بحديث موضوع نسب إلى الرسول (ص) وكانت موقعة شديدة انهزم فيها أتباع أبي محمد وقتل هو وأرسل برأسه إلى أبي جعفر المنصور"([25]). وفي زمن خلافة هشام بن عبد الملك سيَّر الخليفة جيشاً من أهل الشام إلى أفريقيا للقضاء على الثورة التي فجَّرها البربر بين عامي 116هـ/ 734م. و 125هـ/742م وامتد سيرها من مراكش إلى القيروان فالأندلس، وتمكن القائد بلج بن بشر من القضاء على الثورة في الأندلس ودخول العاصمة قرطبة، وما إن اطمأن إلى استتباب الأمن حتى تفرق جنده من أهل الشام، فنزلت فرقة حمص بإشبيلية، وفرقة فلسطين في مقاطعة شذونة والجزيرة الخضراء، وفرقة دمشق في مقاطعة البيرة، وفرقة قنسرين في مقاطعة جيَّان لأن هذه المقاطعة تشبه إلى حد كبير بلدهم قنسرين وحاضرها من حيث الطبيعة والمناخ.

وفي بداية العصر العباسي استطاع الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام النجاة بنفسه مع خادمه بدر من بطش العباسيين واتجه نحو إفريقيا، وما إن استقر به المقام حتى أخذ يكاتب جند الشام وقنسرين في الأندلس، كما أرسل خادمه بدراً ليدعو زعماءهم لمساعدته ومناصرته فاستجاب الكثيرون لدعوته. كما قامت اضطرابات في بلاد الشام عام 133 هـ/750م. وفي كل من حوران، والبطنية وقنسرين، وكان يقودها بعض قادة الخليفة الأموي مروان بن محمد.

وعندما آلت الخلافة لهارون الرشيد عيَّن ابنه الأكبر محمداً الأمين ولياً للعهد وأميراً على سورية، كما عهد لابنه المأمون وكانت أمه فارسية بالولايات الشرقية، وعين ولده القاسم أميراً على الجزيرة الفراتية. إلا أن الأمين بعد توليه الخلافة جعل إمارة أخيه القاسم تقتصرُ على قنسرين([26]).

وفي عهد الخليفة المهدي، قام عبد السلام بن هاشم اليشكري بثورة في الجزيرة، وكثر أتباعه وتوسع نفوذه، وكانت المعركة الحاسمة بينه وبين جيش الخليفة في قنسرين عام 162هـ/ 778م إلا أنه هُزم وقتل.

وفي زمن الإخشيديين، استولى الحمدانيون على قنسرين والعواصم عام 332هـ/943م فولاها ناصر الدولة بن حمدان صاحب الموصل ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان، وقد دخلت دائرة الصراع بين الحمدانيين والروم البيزنطيين بشكل مستمر فتعرضت للاجتياح عدة مرات من قبل البيزنطيين زمن نقفور فوكاس في العام 350هـ/961م و352هـ/963م.

وفي العام 389هـ/998م خربها الإمبراطور باسيل([27]) Basile. وعمَّرها فيما قوم من بني تنوخ ثم عاد الروم عند زحفهم نحو حلب إلى تخريبها عام 422هـ/1030م .

وفي العام 479هـ/1086م تحصن بها سليمان بن قطلمش وعمَّر قلعتها وأراد محاصرة حلب واحتلالها فانبرى له تاج الدولة تتش وقتله وهدم قنسرين وقلعتها وأخذ الناس يستولون على حجارتها لبناء منازلهم، كما بنى محمود بن زنكي خان قنسرين من حجارتها([28]).

وفي العام 578هـ/1182م قام الرحالة الأندلسي ابن جبير بزيارة مصر وبلاد الشام وهو في طريقه لأداء فريضة الحج، ومن المدن التي زارها قنسرين وكتب عنها مايلي:

"وصلنا قنسرين قبل العصر، فاسترحنا بها قليلاً ثم انتقلنا إلى قرية تعرف "بتل تاجر"....... وقنسرين هذه هي البلدة الشهيرة في الزمان ولكنها خربت وعادت كأن لم تغن بالأمس، فلم يبق إلاَّ آثارها الدارسة ورسومها الطامسة ولكن قراها عامرة منتظمة، لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضاً وطولاً وتشبهها من البلاد جيَّان". ([29]).

مكانة قنسرين وبعض مشاهيرها:

كانت اللغة الآرامية قبل الإسلام وفي عصر المسيح تعد لغة التجارة والعلم، وكان الآراميون وهم من العرب القدماء ينتشرون على الأراضي الممتدة من حران إلى جميع بلاد الشام، وقد آمن قسم كبير منهم برسالة السيد المسيح فسماهم اليونانيون باسم السريان تمييزاً لهم عمّن بقي على وثنيته. وكان لقنسرين وديرها الواقع على الضفة اليسرى للفرات تجاه مدينة جرابلس أثر كبير في نقل وترجمة بعض العوم اليونانية في مجالات الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.... الخ. إلى اللغة السريانية ثم ترجم ما نقل فيما بعد إلى اللغة العربية وبخاصة في العصر العباسي. وقد اشتهر عدد من العلماء والمترجمين المنسوبين إلى قنسرين أو ديرها لما قدموه من جهود علمية كان لها أثر لا يمكن نكرانه في إغناء الثقافة والعلوم العربية ومن أبرزهم:

مار ساويرا سابوخت: "توفي 47هـ/667م، "وهو من مواليد مدينة نصيبين، وترهب في دير قنسرين، حيث أتقن اللغتين السريانية واليونانية كما ألمَّ باللغة الفارسية، وترجم إلى اللغة السريانية كتاب المجسطي لبطليموس، وكتب عدة أبحاث في الرياضيات والفلك([30])، وفي صور المنازل والبروج، كما ترجم في الفلسفة رسالة في تحليل القياس لأرسطو، ورسالة في تفسير بعض نقاط الفصاحة....الخ. وكان له العديد من التلاميذ من أشهرهم:

مار جرجس: "توفي 107هـ/725م" وهو عربي الأصل ولقب بأسقف العرب إذ أصبح أسقفاً لعرب طيّء وتنوخ وعقيل وعرب الجزيرة، وتتلمذ أيضاً على مار يعقوب الرهاوي في دير قنسرين، ونال شهرة كبيرة كعالم لغوي ومفسر، وكانت قنسرين محط أنظار من يريد تعلم اللغة اليونانية، وقد استطاعت جذب العديد من النابهين، ومنهم:

مار رابولا:

أصبح أسقفاً لمدينة الرها (412-435م) وقد تعلم اللغة اليونانية في قنسرين([31]) عُرف بحدة ذكائه وسعة اطلاعه وتعمقه في اللغة حتى أصبح معلماً لها، ومالبث أن اعتنق المسيحية فترهب وقام بزيارة الأماكن المقدسة في فلسطين ثم عاد ليوزع ثروته ويعلن تنسكه([32]).

لقد كانت قنسرين مركزاً هاماً للثقافة والعلم، ولسنا نهدف في بحثنا هذا إلى الإلمام بجميع من نبغ في هذه المدينة أو تتلمذ في ديرها وعلى مدرستها وجميعهم من السريان سواء اليعاقبة أو النساطره. بل هدفنا إبراز المكانة الثقافية لقنسرين قبل انتقالها إلى سيادة العرب المسلمين.

خضعت قنسرين بعد أن حررها العرب المسلمون إلى أحداث سياسية وعسكرية وكان لها تأثير على نتاجها الفكري، فانصرف أبناؤها عن الاهتمام بالمعرفة والفكر ولكنها لم تصب بالعقم، فلقد برز من أبنائها في العصر العباسي أحمد بن دؤاد، المولود عام 160هـ/776في إحدى قراها، وهو عربي النسب تنتمي أسرته إلى قبيلة إياد.ارتحل أحمد مع ذويه إلى دمشق وتتلمذ على مشايخها وفقهائها واهتم بصورة خاصة بالفقه وعلم الكلام، وما إن انتقل إلى بغداد مدينة النور آنذاك حتى أصبح معتزلياً وكان من أصحاب واصل بن عطاء الذي عُرف كمؤسس لفرقة المعتزلة، وأصبح محدثاً معتزلياً، ولقد رحب به الخليفة المأمون وقربه منه وكذلك فعل أخوه المعتصم الذي أسند إليه منصب قاضي القضاة.اتصف أحمد بن أبي دؤاد بحدة الذكاء وتعصبه للعرب، وأعلى بكرمه شأنهم في دولة كان للفرس والأتراك نفوذ كبير فيها، قرَّب إليه الشعراء والأدباء وأغدق عليهم، وكان يقرض الشعر، وقد مدحه الشاعر أبو تمَّام في قصائد كثيرة. توفي أحمد بن أبي دؤاد في بغداد مفلوجاً عام 240 هـ/854م


منقول

احترامي وتقديري
حــسناء

_________________


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
avatar
حسناء العمري
المشرفـة العامـة
المشرفـة العامـة

انثى
عدد الرسائل : 2439
العمر : 42
البلد الأم/الإقامة الحالية : مملكة الابداع المملكة الأدبية
الشهادة/العمل : موظفة
الهوايات : كتابة الخواطر و الرسم وقراءة الشعر العربي والعالمي
تاريخ التسجيل : 16/05/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قِنَّسرين أو عش النسور

مُساهمة من طرف وليم جبران في 16/3/2010, 5:54 am

الرائعة حسناء
تلك قنسرين مدينتنا السورية
بالنيابة عن الآراميون السريان ارفع لك كل التقدير لهذا الاسقاط التاريخي الجديد لقنسرين
يسعدني أن يلمع اسمها هنا في المملكة

محبتي لكِ

_________________

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
وليم جبران
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
avatar
وليم جبران
سـوري عتيق
سـوري عتيق

ذكر
عدد الرسائل : 253
البلد الأم/الإقامة الحالية : أتري بريخا
الشهادة/العمل : متقاعد
الهوايات : الثقافات والآداب والتاريخ
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قِنَّسرين أو عش النسور

مُساهمة من طرف حسناء العمري في 17/3/2010, 8:41 pm



الأستاذ الغالي وليم

الشكر الجزيل لك على حضورك البهي أستاذي العزيز
أتشرف جدا بتحيتكم الجميلة
كل التقدير والتحية والإجلال من القلب أرفعها لكم أيها الرائعون
و أبعث لكم باقة ورد

بوركتم ودمتم
احترامي محبتي وتقديري
حسناء


_________________


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
avatar
حسناء العمري
المشرفـة العامـة
المشرفـة العامـة

انثى
عدد الرسائل : 2439
العمر : 42
البلد الأم/الإقامة الحالية : مملكة الابداع المملكة الأدبية
الشهادة/العمل : موظفة
الهوايات : كتابة الخواطر و الرسم وقراءة الشعر العربي والعالمي
تاريخ التسجيل : 16/05/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى