๑۩۩๑ المملكـــــــــــة الأدبيــــــــــــة ๑۩۩๑
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

إن كنت من أعضاءنا الأكارم يسعدنا أن تقوم بالدخول

وان لم تكن عضوا وترغب في الإنضمام الى اسرتنا
يشرفنا أن تقوم بالتسجيل

العبيدي جو ادارة المملكة الأدبية

السكين والمطرقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السكين والمطرقة

مُساهمة من طرف العبيدي جو في 9/9/2008, 4:03 pm


السكين والمطرقة

ابتلعت مطرقة القاضي صوت الحضور. ودب الصمت في
قاعة المحكمة.
نظر القاضي العجوز إلى المتهم الشاب وسأله:
اسمك وعنوانك...؟
المتهم: رفع رأسه والتفت إلى القاضي وأجاب: اسمي إنسان وعنواني الحياة.
القاضي: تمعن ملامح المتهم وملكته الدهشة حتى كرر سؤاله بجدية حادة. سألتك عن
اسمك وعنوانك.. هل فهمت..؟
المتهم: يبتسم بسخرية ويرد: وأنا قلت: اسمي إنسان وعنواني هو الحياة.
القاضي: التصق صدره بالطاولة ونظر في عيون الشاب بقساوة وأردف:
هل أنت مجنون...؟
المتهم: التفت إلى الحضور وبحث بعينيه في ملامحهم ثم التفت إلى القاضي وأجاب
ساخراً: ما اعرفه إنني في قاعة محكمة لا في مشفى المجانين.
القاضي: اسكت ضحكات الحاضرين بمطرقته واسند ظهره على كرسيه وتأمل المتهم وهو
يداعب نظارته وبعد هدوء قصير تحدث إلى نفسه "يبدو أن هذا الشاب يريد أن يلعب.
وهو أيضا من المحنكين الذين يتقنون لعبة المداعبات الكلامية. ولم لا فانا
أيضا أهوى مثل هذه الألاعيب". غير أسلوبه وألبسه الثوب الذي يناسب ذوق المتهم
وراح يسأله وعلى شفتيه ابتسامة: اسمع أيها الشاب. يجب أن تعلم انك قبل كل شيء
متهم. والمتهم يظل بريئاً حتى تثبت إدانته. بهذا حاول أن لا تضيع الوقت.
المتهم: الوقت لا يضيع. هو موجود في كل مكان أيها القاضي.
القاضي: يهز رأسه ثم يزيد من ابتسامته قائلاً: حسناً. أيها الشاب. ولكن يجب
أن تعلم أن وقتنا من ذهب... هل فهمت؟ لأننا لسنا ملكاً لأنفسنا بل للوقت.
للوقت الذي اكرر وأقول انه من ذهب.
المتهم: اعرف أيها القاضي... اعرف كما اعرف أننا نحن من يصنع لكم هذا الذهب.
القاضي: أصابته العصبية وأردف: من آداب الكلام في المحاكمات تحترم القاضي.
أنا لست (أيها القاضي) أنا سيادة القاضي.
المتهم: التفت فجأة إلى القاضي وبجرأة قوية أجاب: أنا لست عبدك أيها القاضي.
من يؤمن بالحرية والعدالة لا يؤمن بسيد وعبد. هل أنا على خطأ؟
القاضي: رسم على جبينه خطين عريضين وتنفس بصمت. وثانية تراجع واسند ظهره إلى
كرسيه وتحدث إلى نفسه (يبدو أن اللعبة ستكون خطيرة) ضغط على مشاعره وسيطر على
أعصابه حتى استعاد أسلوبه الهادىء وتطلع في ملامح الشاب وسأله: لماذا توكل
محامياً يدافع عنك..؟
المتهم: سلط نظراته في عيون القاضي قائلاً: وهل يحتاج البريء لأكثر من حاكم
عادل...؟
القاضي: أغمض القاضي عينيه للحظة وقال في نفسه (يا له من لاعب ماهر) مسح
نظاراته و نظر إلى المتهم و سأله: اسمع يا أيها الشاب. عاينا أن نبدأ بقضيتيك
و لهذا عليك أن تؤدي القسم. هل لك أن تحدد ديانتك؟.
المتهم: ديني هو أيماني. و أيماني هو اله الإنسان الواحد و الوطن الواحد.
القاضي: ألا تؤمن بالتوراة، بالإنجيل، بالقرآن، أو أية ديانا أخرى؟.
المتهم: و هل هناك فرق بين هذا و ذاك...؟
القاضي: طبعاً.. الفرق في العقيدة.
المتهم: إذن هناك فرق. و هذا ما ارفضه. لأن الإله محبة و المحبة لا تفرق. هل
أنا على خطأ..؟
القاضي: جميل. و لكن ألا ترى معي أن وجودك في هذا الموقع يناقض إيمانك..؟
المتهم: صحيح. و لكن من وضعني في هذا الموقع..؟
القاضي: أفعالك.
المتهم: و أفعالي. أليست من صنع قوانينكم..؟
القاضي: قطّّب حاجبيه و بدهشة سأل: ماذا تقصد..؟
المتهم: أليست قوانينكم هي التي تصنع المجتمع و البيئة و الظروف..؟
القاضي: نعم و لكن لتحمي المجتمع و تحرر البيئة من الجريمة و اللصوصية.
المتهم:عجباً أيها القاضي... انتم تحكمون على فرد لا حول و لا قوة و لا
تنظرون إلى دولة بكاملها تسمح لنفسها من خلال قوانينها بالتعدي على دولة
أخرى. دولة تقاتل دولة. شعب يكره شعباً. حدود تشتعل بالنار و أمم تموت شعوبها
في كل لحظة من العطش و الجوع.
القاضي: ضرب القاضي بيده على الطاولة بكل قوة و صرخ: هذا ليس من شأنك هل
فهمت..؟
المتهم: تفحص بعيونه ردات الفعل في وجوه الحاضرين و ابتسم قائلاً: طبعاً هذا
ليس من شأني. بل من شأنك أنت و أولئك الذين يصنعون القوانين ليصنعوا من خلاله
القنابل المدمرة التي تفتك بالإنسان و الحضارة.
القاضي: نحن لسنا في محاضرة... و الذي أمامنا قضية قتل و أنت متهم بها.
المتهم: أيها القاضي.. قل لي: ما هو الفرق بين القتل بالسكين و بين القتل
بمطرقة حاكم...؟ أليس القتيل واحد.. هو الإنسان..؟
القاضي: لا يا أيها الفيلسوف. الفرق كبير و كبير جداً. المجرم في المجتمع
سرطان خبيث و سكينه داء معدي. أما الحاكم هو الجراح الذي يستأصل بمطرقته هذا
المرض.
المتهم: قانون ضد القانون. أبهذا المنطق تحكمون البشر. أين العدالة؟ أوليس
المرض ضعيفاً؟ أوليس الطبيب من يشفي المريض؟ كل القوانين الدنيوية لم تتكمن
حتى اليوم من حماية الإنسان من الحرمان بل بالعكس ساعدت الأقوياء و أهملت
الضعفاء. تمعن بالقانون الذي يسمح لغني يملك البلايين ليتاجر من خلالها
بأسلحة دمار ( هو شخص واحد لا أكثر) بينما ملايين البشر تموت جوعاً و قهراً و
ظلماَ.
القاضي: هل هذا مبرر لأن تقتل..؟
المتهم: أيها القاضي. من يعيش في الظلام يقتل في الظلام و من يقتل في الظلام
هو مجرم. أما من يعيش في النور و يقتل في النور هو شيطان.
القاضي: و أنت أيها الشاب ، هل سمعت بمن قال ( من يأخذ بالسيف يؤخذ)
المتهم: و لكنه قال أيضا ( لا تدينوا لئلا تدانوا)
القاضي: و هل هناك فرق بين القولين...؟
المتهم: ما قال قولا فيه فرق أيها القاضي. أنما العبرة من الاثنين ما قلته
قبل قليل عن الظلام و النور.
القاضي: و ما الفرق بين المجرم و بين الشيطان...؟
المتهم: كالفرق بين الأرض و السماء. المجرم إنسان محكوم بالظروف و الشيطان من
يصنع تلك الظروف. المجرم ترعرع في الظلام بينما الشيطان ترعرع في النور.
القاضي: م هل من يعيش في النور شيطان.؟
المتهم: حين يقتل.. نعم. أؤكد لك أن من يقتل في الظلام الإنسان الذي حرمته
ظروف الدنيا من بسمة الفرح و السعادة. حرمته لقمة العيش. ماذا تقول عن إنسان
ولد في بيت أباه لا يجد روحه إلا هائمة في زجاجة خمرته. و أمه أرغمتها
الحياة على بياع جسدها من أجل حفنة من النقود كي تحمي بيتها. ماذا تقول عن
هذا الإنسان الذي وٌلد و ترعرع في بيئة فاسدة أهملتها القوانين و الشرائع. لا
لشيء إلا لأنها مهتمة أكثر بالتجارة البشرية ، بصناعة القنابل و الأسلحة و
المخدرات.
القاضي: هل تعتبر هذا الإنسان من يعيش في الظلام. و لهذا عليه أن يقتل ليحصل
على لقمة العيش؟
المتهم أسمح لي أيها القاضي.. دعني أكمل الشطر الثاني الذي يتعلق بمن يعيش في
النور و يقتل في النور. الذي هو أنت و من هو في مراتبك. أنت ولدت في بيئة كل
الظروف سُخرت لأجلها. نوم على الحرير. أفخاذ الدجاج و أكباد الحيوانات
اللذيذة. علم. ثقافة. و أخيراً مثل هذا الإنسان بضربة مطرقة يحكم على ذاك
المسكين بالإعدام.
القاضي: اسمع.. لقد سمحت لك بالكلام الذي هو خارج عن موضوع قضيتك لأجل شيء
واحد فقط. هو إنك من هواة التحدي و أنا من محترفي هذا النوع الخطير. أما الآن
أمامك فرصة أخيرة تختصر فيها أقوالك الأخيرة. لنبدأ بعدها بمناقشة قضيتك.
المتهم: تنفس الشاب براحة و رفع رأسه و نظر إلى القاضي و بشيء من الحسرة قال:
أشكرك أيها القاضي على هذه الالتفاتة الحكيمة، ما أريده كإنسان هو أن يحاول
من وضع قدمه على سطح القمر أن لا يضعها فوق رؤوس البشر. ما أريده أيها الحاكم
العادل . أن تأخذ مكاني ولو للحظات و أستلم أنا مكانك.. لأننا نحن الاثنين
متهمان بقتل الإنسان. ما أريده ثورة سلمية شعارها المحبة. ثورة ضد السلاح. ضد
تجارة المدمرات و المخدرات. ضد تجارة الجسد و العقول. ضد السياسة التي تفرق
بين شعب و آخ. بين دولة و دولة. ثورة ضد كل من يفرق من خلال معتقداته بين
إنسان و إنسان. ضد من يحمل صليباً من ذهب. ضد من رسخ في فكره الإنسان أن
الإله بعبع علينا أن نخافه. لا أباً نحن أولاده. ضد الأعلام الفاسد الذي يزرع
الرعب في نفوس أطفال بشرية. ليكن شعار الإنسان المحبة للجميع. لأمة واحدة هي
الإنسانية و لوطن واحد هو كل الأرض و هذا الكون الشاسع.
القاضي: أنت تطلب المستحيل يا ولدي. خيالك طار بك إلى عالم قد يحتاج الإنسان
للوصول إليه أزمانا بعيدة. عش في واقعك. و ترجل عن حصانك المجنح. آلاف السنين
و البشرية تعيش صراعاً من أجل بناء حضارة متكاملة. صعب.. صعب و العالم فيه
آلاف اللغات و الأمم و التقاليد و الأوطان.. ترجل.. ترجل عن حصانك المجنح و
عش في واقعك. أنت تطلب المستحيل.. المستحيل يا ولدي.
المتهم: سرت نفس الشاب من أبوة القاضي.. أجاب و الابتسامة تدفع بملامحه
السعادة: أيها الأب الرحيم. لا مستحيل في هذه الحياة. أن الذي خلق الإنسان
وهبه الوعي و أنعم عليه بالخير و المحبة. الإنسان لو أتخذ لحياته شعار الذي
قال ( أحبوا بعضكم بعضاً) لزالت كل الأسباب التي تفسد حياة البشر.
القاضي: كفى يا ولدي.. إني أكرر.. أنزل عن حصانك المجنح.
المتهم: قبل أن أترك حصاني أريد أن أطلق صرختي. و لا يهم أن كانت ستدوي في
وادٍ أم في شرايين قادة الدنيا. يا حكام العالم و يا علماء النفس و الجسد. يا
من تصنعون القوانين و القنابل و الحدود. حولوا الأموال التي تصرف على السياسة
و الجيوش و شؤون التجارة في القمار و تحقير الإنسان من خلال مباريات المصارعة
و الملاكمات و أفلام الدعارة و الاغتصابات و الأجرام و الفساد. حولوا الأموال
التي لا تخدم إلا المرضى من رؤساء العالم و رجال الدين الكذبة و رؤساء
المؤسسات التي تفوح منها روائح الأرواح الشريرة. حولوا هذه الأموال لبناء
مجتمع واحد بلا حدود و لا جوازات السفر. لبناء عالم متكافئ في الإنسانية و
الأخوة البشرية. لبناء جامعات للتعليم و التثقيف. حولوا هذه الأموال لفقراء و
مساكين الأرض. حينها لن تجدوا مجرماً و لا لصاً و لا من يئن على فراش
القوانين. نعم حينها لن أقف هنا لأُدان. بل سأقف على منبر يحالفني فيه الحظ
على نشر العلم و الثقافة.
القاضي:ينهض و يحمل مطرقته بيده اليمنى و سجل الشاب بيده اليسرى قائلاً: تؤجل
المحاكمة إلى أشعار آخر تحدده ابنتي التي تدرس القانون.
المتهم: و ماذا عن قضيتي أيها القاضي؟
القاضي: (لا تدينوا لئلا تدانوا).
يضرب بمطرقته على الطاولة لتفلت و تطير من نافذة المحكمة لتحلق في الفضاء
اللانهائي.

***
بتصرف
GAO

_________________


العبيدي جو

اعطي هبة لهذا المنتدى
الآراء الواردة في كتابات الأعضاء لا تمثل رأينا بالضرورة

العبيدي جو
المديـر العــام
المديـر العــام

ذكر
عدد الرسائل : 4070
تاريخ التسجيل : 28/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى