๑۩۩๑ المملكـــــــــــة الأدبيــــــــــــة ๑۩۩๑
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

إن كنت من أعضاءنا الأكارم يسعدنا أن تقوم بالدخول

وان لم تكن عضوا وترغب في الإنضمام الى اسرتنا
يشرفنا أن تقوم بالتسجيل

العبيدي جو ادارة المملكة الأدبية

للحياة الإنسان.. وللإنسان الحياة- حكمة عائلة - قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

للحياة الإنسان.. وللإنسان الحياة- حكمة عائلة - قصة

مُساهمة من طرف وليم جبران في 9/9/2008, 3:47 pm


للحياة الإنسان.. وللإنسان الحياة- حكمة عائلة - قصة

دخلت القافلة مغارة بلون التراب. سقفها من القش ألصفر. جدرانه نتوءات حجرية خمرية.
لها بوابة عتيقة تفوح منها رائحة الحضارات. نكهتها سومرية.
رقيقة مثل السماء في الربيع.. عذبة مثل الماء في الصحراء.
تتألف القافلة من الأب وأبنائه وبناته الستة.
لف الأب رداؤه الأبيض على جنبه الأيسر ونطق بهدوء بعد لحظات سكون وصمت.
أبنائي وبناتي.
إن نفسي جادت عبور جسر الأزلية لأدخل الدنيا من بوابة الحياة لكن ذاتي تجهل
اجتياز جسر الحياة الذي يقودني إلى الأبدية. لنفهم الطريق أن نفهم واجباتنا
وحين نفهمها سنفهم قوة السرمد. تلك القوى التي لنا منها نصيب. والتي من
خلالها نقضي على ما يسمى بالموت لنعيش في تجدد. ستة أيام هي عملية الخلق
واليوم السابع هو المجد. وأنتم بعددكم تمثلون الخلق ومجدكم هو أنا. بقدر ما
ينجح كل منكم بعمله بقدر ما يعلو شأني ويتقدس حتى أصل الكمال.
ساد نوع من السحر قلوب الأبناء والبنات، وتاهت عيونهم في أرجاء المغارة إلى
أن نفذت وطارت إلى عالم أكثر سحراً. ولما أدرك أباهم أن اللحظة قد اقتربت.
همس لذات. هذا زمن الوصية.
نهض وطوى ثوبه الناصع فوق ركبتيه وأخذ وضعاً وقوراً وتحدث موجها وصيته الأولى
إلى ولده البكر.
أنت يا ولدي... أيها القديس. أني، والخالق، بك أحيا وبجبروتك أخطو.
كن أيها الطاهر. المسامح الغفور لأخوتك. دلهم إلى صواب الطاعة وأنعم بعطفك
على وجودهم وبقائهم. بهذا يا ولدي تسمو حياتي ولهذا يجب أن أعيش.
تنهد الابن الطاهر وأطلق بسمة تحمل في جوفها النور. ثم مدَّ يده في جيب معطفه
الأزرق وأخرج دفتراً صغيراً واقترب من أبيه ليهديه قائلاً: أبتاه!... أنا
الأمانة وما أخوتي إلا وصايا وأنت الآية. لكني مثلما أتمنى البقاء معكم هكذا
أتمنى أن تحفظوا قدسيتي لأن في أعماقي يتولد النور ومن هذا النور يتحقق
الطريق. كما أريدك أن أبتاه إن علاقتي بأخي الثاني هي علاقة أخلاقية. عندي له
نبع لا ينضب أبد الدهور. فيه يعيش الوعي الذي هو قطرة من بحر لا نهائي. لكنها
قطرة بإمكانها أن تملأ الأرض طوفانات. إنها قطرة. لكنها أثقل من وزن الكون
ولأنها جزء من خالق الكون. أتمنى أبتاه أن يساعدني أخوتي لأرفع منزلهم إلى
الكمال لتصير أنت كل الكمال.
أخذ الأب الدفتر والدهشة قد ملكته من حديث ولده. تصفحه وقرأ ببطىء وفجأة توقف
عند جملة أعجبته للغاية_ من يسلك الوعر يجب أن يزيل من النفس وعرها.
شعر الولد البكر بردات الفعل في ملامح أبيه فسبقه الكلام: قد يعجبك ما تقرأ
أبتاه. لكن القراءة تدعمها صلة الفهم. وما لم تتوافر الصلة تكون الأفكار
ضعيفة. والفهم لا يعني ما نفهم من الأمر بساطته بل فلسفته ولا يعني سطحيته بل
عمقه.
اختلجت نفحة القدسية في وجدان الأب و هو يصغي إلى ولده بفخر واعتزاز. فسكت
إجلالاَ لعظمة شأنه ومال بجلسته نحو ولده الثاني.
ولدي... أيها القائد الحكيم. يا مفخرة وجودي ويا عزة نفسي. أنت يا نطفة القوة
في رحم ذاتنا ويا ألم المخاض قدراتنا.
كن يا بني البصر في العيون الكفيفة. كن الشارة الخضراء لأخوتك على الطرقات
المؤدية إلى المحبة والخير. واستبدلها بالحمراء على الطرقات المؤدية على
الهلاك والشر. بهذا يا ولدي تعل نفسي ولهذا يجب أن أعيش.
عدل الابن الحكيم سترته الحمراء ونهض ينظر إلى أخوته ثم ألتفت إلى أبيه:
أبتاه... أن ما يثير في داخلي من شك لا يعني ضعفاً أو قوة بقدر ما هو احتكاك
يمارسه أخوتي للوصول إلى اليقين. وأنا من يقرر شأن اليقين. وأني أنا الذي
يعلم ما أملك من قوة. أنا هو الدافع المحرك للإدراك وللحس. لكنني أيضاً معرض
لمزاجيات أخوتي وتصرفاتهم. ظروفهم قد تهلكني لتهلك العطاء الذي يمنحني إياه
أخي الأكبر.
يتحتم على أخوتي يا أبتي أن يبذروا حبات الصبر في حكمتي ليحصدوا في الغد
ثماراً تمتلىء بها بطون أفعالهم.
لا تذهبوا بعيداً بعد القليل فتعوضون النقص القابع في زاوية مظلمة من ذواتكم
باختراع الوسائل البلدية. لا تحاولوا وضع أسس ونظريات تدفع بكم لصنع المواد
الفانية. لأن كل هذا بالأصل جزء من قوة لا متناهية تكمن فيكم.
بمكانكم التحليق حيث ترغبون بعملية رياضية موجودة حكماً في تكويني. حاولوا أن
تصلوا إليها لأنها ستقودكم إلى مسافات ما وراء الزمن من دون اللجوء إلى مواد
غريبة عن وجودكم.
أنا أبتاه قوة ضخمة بضخامة هذا الكون. فإن سعيتم إلى تحليلي من زاوية واحدة
واستطعتم بها الوصول إلى ما يسمى العلم. فثقوا أن الزاوية الجهولة الأخرى في
كينونتي، بإمكانها أن تمنحكم المعجزات المقدسة.
في ختام حديثي أريد أن أوضح لكم أنني أحياناً إلى ردات الفعل والموقف. خصوصاً
عندما تهمل وظائف العين والأذن وحواس اللمس والشعور الخفي ففيها من العظمة ما
تفعل السحر وتقضي على الأمراض. فليحاول كل منا استخدام مواهبه كي تتطور هي
لتطورنا نحن متعيش أنت.
سكت الأب طويلاً يتأمل ولده ويتفحص نظراته المشبعة بالذكاء. ويحول تأمله إلى
أولاده وبناته. يراقب ردات فعلهم. استدار بحركة بطيئة نحو ولده الثالث. ولما
شعر أبنه باقتراب دوره استعجل في ترتيب هندامه فنفض عن ثوبه قشة سقطت من سقف
المغارة ولوثت خيطاً رفيعاً من سترته البيضاء.
لاحظ الأب حركة أبنه. أبتسم ببراءة وأردف: وأنت يا ولدي العادل. أيها الصمت
الصاخب في لحظات الخطأ والخطيئة. يا نغمة الأجراس في ظلمات التيه. يا لحن
الخلود في سيمفونية الوجدان. كن الصرخة في ساعة الضياع. كن يا بني روح
الموسيقى لهذا الجسد عند الآلام والأوجاع. أن كانت القدرة هي الحاجة فبالحق
أقول انك أنت من يعظم مولدها ويرفعها إلى القوة. نعم أنت يا فلذة نفسي. بك يا
ولدي يتحدد سلوكي وسلوكي من سيقودني إلى النجاة. أنت لسان الخالق في ذاتي.
بواسطتك أذوب في الألوهية. بهذا يا ولدي تتقدس ذاتي ولهذا يجب أن أعيش.
نهض الولد الثالث ومشى ثلاث خطوات ثم توقف في وسط أخوته وشدا بلغة سلسة تتبخر
منها المعاني لتكون سحابة تمطر قطرات من القدسية ولتسقي عشب النفوس وتفرز
روائح تنتشي لها القلوب لها القلوب. تأمل وقال: أبتاه... المغفرة قبل القول
والقول بعد الحق. ليس ما يطيب لي بغير الوزن. وليس، ما يحز في نفسي مثل الشاذ
في الفعل وفي الحركة. أنا الذي يحاول دائماً عزف اللحن الذي تنتشي له الحياة.
أنا من يحمل مطرقة العدل. ربما أكون صارماً مع أخوتي لكني مسامح إلى أبعد
حدود. أن كنت كما قلت اللحن الذي تمتزج فيه الابتسامة بالدمعة. فلتعلم أني
أيضاً سرعان ما تنتشلني رياح اليأس حين ينجرف أحد الأوتار خلف تيارات الطبيعة
والظروف. فيفسد قوامه وبفساده يشذ لحني ويسقط صوتي في عالم الحقد جريحاً
فتتحطم مطرقتي.
اختلجت في نفوس الأخوة غيرة فضحت ملاحمهم. لكنها سرعان ما ذابت في مشورة
الحق بين ذواتهم.
حك الأب راحة يده اليمنى بزاوية كتابه. ثم مد إصبعه مشيراً إلى لأبنته الأولى
بعد الأخوة الثلاث. وبشيء من الحنان قال:
وأنت يا عزيزتي الثائرة.
أيتها الحارسة العملاقة على بوابة معسكري. ما أبهى خلقك في بلادي. وما أروع
درعك الحامي. كوني لي لحظة العطاء فإني بالحق أقول ما أنت إلا ذاك المرشد.
نوري الطرقات أمام أخوتك وحذريهم من خطر الشر والرذيلة والأمراض.
فوجئت الابنة الحسناء من موقف والدها الذي يعبر عن فهمه لخلجات نفسها. أسرعت
تداعب خصلات شعرها وتنفح الغبار عن ثوبها البنفسجي لتمسح بعدها شفتيها بلمسة
خفيفة من اتحاد الإبهام والسبابة. ثم نظرت بعيونها الأجمل من الجمال وقالت
بصوتها الدافىء: أبتاه... لست أدري إن كنت أستحق الصفة التي نسبتها إلي. غير
أني وبكل تواضع أضيف إلى ما تفضلت وقلت: أني وربي لم أكن في ساعة أبداً سوى
الرسولة بين أخوتي. أن دوري يقتصر في أظهار الحال لا الحق. فعلى أخوتي ترجمة
مضمون الحال وتنقيحه من كل شائبة ليتم وضعه في موقع يتناسب والظرف الذي تعيشه
أنت. لا تثقل نفسك بالهموم يا أبي فما من رعشة تدور في فلك الذات إلا وأكون
السابقة في نشرها وتوزيعها على كل أخوتي. على كل أيها الأب العطوف. أن ما
أتمناه هو أن تعلموا يقينا أني مثل أختي الثانية تجرحني نسمة تتطاير بدون
أوانها. لكني سأظل وفيه لا لشيء إلا لأنني أؤمن أن كمالك هو جمالي الذي يرضي
الكل.
يهز الأب رأسه ويداعب ذقنه الملساء ولا يلبث أن ينظر إلى أبنته الثانية بحذر
وقلق ويتفوه بصيغة الاستفسار لا السؤال: وأنت يا ابنتي السمراء. يا سري
العظيم. مالي أرى الحيرة دائمة في عينيك. ما بك تحفظين كل شاردة وواردة.
تحسسينني أبداً أنك الغربة في نفسي. لا يا ابنتي أنا ما خلقت لأكون سراً.
كوني محل ثقتي وثقة أخوتك. ثقي بنا لأن الثقة أساس الاستمرار. صارحيني القول
يا ابنة ذاتي. ترددت الابنة السمراء ومثلت دوراً إيمائياً حاولت من خلاله
ألهاء الحضور. ترفع تارة يدها فتقضم سترتها السوداء. وتارة أخرى تحك ذراعها
بذراع أختها الأولى. بهذا خلقت جواً ساخراً مما أضحك الجميع. أحس الأب
بلعبتها الذكية. فنهض واقترب يمد يده إلى خدها ليعصره بإصبعيه قائلاً: احترمي
الحضور واحترمي هذه المغارة. نظرت بطرف عينيها وانتصبت بكل شجاعة وعزم لتقف
في مواجهة أبيها ولتحاوره بلهجة تكاد لا تفهم: لا يا أبو أخوتي... أنا لم أكن
في زمن سوى الجوكر الذي يتناسب مع كل لحظة ويتناسق مع كل لون. قد لا تفهمني
أنت وقد يجهلني أخوتي. لكني أؤكد لك ولهم أنني أنا القادرة على توظيف الأحداث
في دائرة الأمن لتظل وثائق تثبت كفاءة كل واحد منكم وتكون مستنداً يؤكد
قدرتي. هذا هو ما ادفع به من خلال سري ووجودي لأدفع من خلاله الحياة المكبوتة
في العالم الداخلي إلى العالم الخارجي. لا تخف أبتاه أني لشديدة الحذر على
مصيرك لأن هذا ديمومتي.
قد اختلف وأختي الكبيرة لكني آمل ألا تشك أبداً أننا عدوتين لأن الحدود بيننا
إن هي إلا شكل من الوهم صورته لنا أختنا الصغرى.
عاد الأب إلى موقعه وشيء من الاطمئنان جعله يحس بالراحة غير أنه خبأ رأسه في
صدره إلى أن استطاع جمع ما فقده من القوة والإرادة. عطس ثلاث مرات ثم استدار
نحو ابنته الصغرى وبعث لها بقبلة يجاملها ويقول:
وأخيراً أنت يا طفلتي المدللة. أيتها الأبليسة الشقية. ماذا أقول لك. وأية
وصية تريدين. أنت يا مبعث الحب في نفسي. يا صانعة الغيرة في نفوس أخوتك. أنت
يا من تهوى البطولة لتنسى المبادىء وتتشبث بذاتي لرغبة بالتملك. كوني يا
صغيرتي النتيجة في مسألة الغير. لا تنجرفي خلف نزوة طائشة. ففي جوف النزوات
يعيش غول الرعب والألم. أن حب الذات لا يعني القوة في عظمة الفرد. حب الذات
يعني التضحية من أجل الغير من الذوات. تعاطفي مع أخوتك واصنعي المجد الذي
ينفي الفردية ويبيح العمومية. ارفعي منزلتي يا صغيرتي إلى دنيا العفة
والطهارة لأن فيهما تكمن إنسانيتي وبها تتقدس مملكتي أريدك قوة كقوة الخلق لا
قوة كقوة لموت.
بكت الطفلة ولفت بذراعيها صدر أبيها. ثم ابتعدت قليلاً وملأت جو المغارة أنات
و أهات تقطع نياط القلب. رفعت قبة سترتها الصفراء ومسحت مقلتيها وتمتمت ببحة
كلها الحنان:
أبتاه... كلماتك غمرتني بطوفان من الحسرات وما أنا إلا طفلة رضيعة من أم هي
كل ما املك في الحياة. أمي التي ولدتنا جميعاً لتنتظر يوم اللقاء. من أجلها
أعاهدك أن أكون وفية مخلصة لك ولأخوتي أطمئن فما كينونتي إلا الغيرة في حبك
للحياة. أني لست الضالة ولا الشقية بل أنا من تبحث عن أخوتي في أوقات التيه
والضياع. وما خوفي عليهم إلا لأحفظ الذات. تأكد أبتاه وثق المحبة ليست إلا
بطولة وامتياز. فليس الخطأ أن نحيا بالحب دون الامتلاك. وليس الصواب أن حسبنا
البطولة ضعفاً في الذات.
أعاهدك أبتاه أن أصون لوجود (إن بقية الموجود)
هز الأب رأسه كعادته ثم اتكأ على حافة صمته ينتقل بعيونه على أرصفة حركة كل أبن وكل ابنة.
نهض مبتسماً يلقي وصيته الأخيرة التي تجمع وصاياه في ثلاثة أقانيم:

كونوا يا فلذات كبدي... وحدة تلازم وجودي
كونوا يا أحبتي... أعمدة تحمل هيكلي
وكونوا يا أبنائي... خير ومحبة في عالمي

تلاشت المغارة وذاب الكل في هيكل جسدي وتوحدت فيه عناصر الكمال ليصنعوا
للحياة...(الإنسان) ، وللإنسان...(الحياة)

****
وليم

وليم جبران
سـوري عتيق
سـوري عتيق

ذكر
عدد الرسائل : 253
البلد الأم/الإقامة الحالية : أتري بريخا
الشهادة/العمل : متقاعد
الهوايات : الثقافات والآداب والتاريخ
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى