๑۩۩๑ المملكـــــــــــة الأدبيــــــــــــة ๑۩۩๑
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

إن كنت من أعضاءنا الأكارم يسعدنا أن تقوم بالدخول

وان لم تكن عضوا وترغب في الإنضمام الى اسرتنا
يشرفنا أن تقوم بالتسجيل

العبيدي جو ادارة المملكة الأدبية

ألوصية (قصة قصيرة بقلم يوسف الياس متى)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ألوصية (قصة قصيرة بقلم يوسف الياس متى)

مُساهمة من طرف ابن السريان في 25/10/2012, 12:41 am


الوصية (قصة قصيرة بقلم يوسف الياس متى)

*************************

كان الجو يخيم عليه السكون .. ولكن هذا السكون مخيف .. مرعب .. بعد ثلاثة أيام من المعارك الضارية على الحدود .. لم تسكت بها المدافع التي تقذف بحممها العشوائية دون هدف جائعة للقتل تريد أن تلتهم كل ماهو حي .. ولم تسترح بها الطائرات وهي ترمي الموت من الفضاء على هؤلاء الامنين اللذين لم يوقفوا صلواتهم لله يشكرونه على ما إبتلاهم ويبتهلون له أن يجملها بالستر وأن يبعد عنهم شبح الحرب والدمار الذي يحدثه . ويعدونه بإقامة النذور إذا ما مرت هذه الأيام على خير .

وبعد كل هذا الرعب والخوف فقد مات من مات وشرد من شرد .. ومن كتبت له النجاة والسلامة فقد لجأ منزله لا يعرف ماهو مصيره .. فالمدينة قد سقطت اليوم في يد العدو , ولم يبقى بها أي مقاومة تذكر .

وها قد مرت ساعات دون أن يسمع غير دوي بعض رصاصات تكاد أن تحصى لقلتها بين الفينة والأخرى , وكان يصاحبها صوت العربة العسكرية " الجيب " الذي قد أعطب الجنود به عادم الصوت كي يظن من يسمعها أن المدينة تعج بالآليات العسكرية .. وكانت تنبعث منه ندائات مكبر الصوت تعلن عن سقوط المدينة وهزيمة الجيش الذي وضعوا فيه كل أمل بالدفاع عنهم وحمايتهم .

كان لهذا النداء وقعاً كالصاعقة على نفوسهم , فمنذ ساعات الحرب الأولى .. والأيام التي سبقت الحرب لم يفارقوا المذياع ولو للحظة واحدة .. لقد كانت نشرات الأخبار والتحاليل السياسية والأغاني الوطنية والحماسية هي غذائهم على مدى ساعات الليل والنهار , وها هي إذاعتهم لا زالت تبث أخبار إنتصاراتهم وتقدم قواتهم خلف صفوف العدو الذي إنسحب أمامهم كالجرذان وطائراته التي تتصاقط كالذباب بفضل بسالة أبطالهم . ولا زالت الأناشيد الوطنية والأغاني الحماسية تبث من كل الإذاعات فتمدهم بما يرفع معنوياتهم .. ولكن أين كل هذا من الحقيقة المرة فالصوت الغريب يملأ الجو آمراً وبصرامة ومهدداً أن يلزم الجميع منازلهم , وأن ترفع الأعلام البيضاء على جميع المنازل تعبيراً عن الإستسلام للإحتلال , وأن لا يفكر أحداً بالمقاومة التي لن تجدي نفعا ًبعد أن تقهقر الجيش أمامهم وسيطروا على كل شبر من البلاد .

وكل من يخالف هذه الأوامر العسكرية سوف يعرض نفسه للخطر وسيكون مصيره محتوماً وسيطلق الجنود النار عليه بدون أي إنذار .

كان هو في منزله يحتضن أبنائه السبعة الذي لا يتجاوز أكبرهم العاشرة من عمره .. وكانت أمه العجوز تحاول عبثاً مساعدة الزوجة التي مر عليها يومان وكأنهم دهر وهي تعاني من آلام الوضع .. ولكن الولادة تعسرت وأصبحت في حالة يرثى لها .. والجميع من حولها ليس بوسعهم سوى أن يرفعوا الصلاة لله والدعاء أن ينتهي أمر الحرب كي ما يخرجوا من هذا المأذق ويكون بإستطاعتهم إحضار القابلة التي لا تسكن بعيداً عنهم لهذه المسكينة التي تنتظر الموت المحتم في كل لحظة تمر عليها إن لم تقدم يد المساعدة لها على الفور .. وهو لا يستطيع تحريك ساكناً لإنقاذ زوجته المسكينة .. واليوم قرر الزوج كسر الجمود والخروج ولو كلفه ذلك حياته فهو لا يقدر على رؤية زوجته تنظر إليه وكأنها تستجدي منه هو حياتها .. وهي لن تطلب منه عمل أي شيء لأجلها في هذه الظروف العصيبة , مقرراً أن يفعل ذلك رغم معارضة الجميع في خروجه .. وبالفعل خرج منطلقاً إلى الشارع بعد أن تأكد من غياب صوت ذلك الجيب الملعون الذي يتجول حاملاً الموت لكل من تسول له نفسه خرق أوامره الصارمة .. وبينما هو يتأهب لقطع الشارع وإذا بدورية مترجلة لم يتوقع وجودها ولم تكن في الحسبان تستوقفه شاهراً أسلحتها في وجهه وتأمره برفع يديه إلى أعلى وأن لا يحاول المقاومة أو الهرب .. دب الرعب في مفاصله وهو يجد نفسه بين ثلاث فوهات لمدافع رشاشة لا تعرف إلا لغة الموت في أيادي غرباء لاتصلهم به إلا عداوة سنين طويلة وحروب مستمرة . راح يصلي في سريرته وهو يرفع يديه المرتجفتين فوق رأسه .. يصلي لله ولأجل زوجته التي ستموت حتماً ولم يفكر ولو للحظة في نفسه . فهو يعرف مصيره .. ولكن المهم تلك التي تعد حياتها بالثواني منتظرةً الموت المؤكد .. وقطع عليه صلاته أحدهم يساله بلغته هو عن هويته وما هي وجهته وما الدافع لخروجه بمثل هذا الوقت الذي يسود فيه منع التجوال .. تعجب هو لذلك فكيف لهذا الغريب أن تكون له دراية بلغته .. فأجاب والخوف والقلق يرتسمان على ملامح وجهه الشاحب وعينتاه الغائرتان بمحجريهما اللتان لم تذوقا طعماً للنوم على مدى ثلاث أيام .. ومفاصله التي ترتجف .. أهو من البرد القارص الذي ينخر العظام , أم من الخوف الجارف الذي يسقط القلوب , أم من القلق المفزع الذي يسلب الإنسان عقله .. أجاب قائلاً " ان زوجتي في خطر وعليّ أن أحضر لها القابلة على وجه السرعة فهي في حالة خطرة وتصارع الموت منذ يومين طوال"

نظر إليه الجندي وقد تغيرت ملامح وجهه وأبدى إشفاقاً عليه ونكس بندقيته وساله " ولكن الا تعلم إننا في حالة حرب ولا يسمح لأحد بالتجوال ؟ الم تسمع مكبرات الصوت التي تجوب المدينة معلناً عن ذلك ؟ كيف تخرج معرضاً حياتك للخطر وقد يكلفك ذلك حياتك ؟" أجاب وكأنه أفاق من غيبوبة " نعم لقد سمعتها , ولكن حياة زوجتي أهم من حياتي .. إنها تكاد أن تموت بين يدي .. إنها أم لسبعة أطفال , تخيل كيف سيكون عليه حالهم وما هو مصيرهم لو مسها سوء "

كان الجندي الثاني والعريف ينظران إلى زميلهما تارة وإلى الرجل تارة أخرى وهم لا يفهمون ماذا يدور بينهم من حوار .. وجه الجندي نظره نحوهم وتحدث إليهم بلغة لم يفهمها الرجل قائلاً " يجب علينا أن نتركه وشأنه فالمسالة مصيرية بالنسبة له .. وإنسانية بالنسبة لنا .. وسرد عليهم قصة الرجل والدافع لخروجه , وماذا سيترتب عليه لو تأخر عن إسعاف زوجته " هز الجندي الثاني رأسه وأبدا أسفه للرجل وكأنه يواسيه بنظراته , وأبدا موافقته للفكرة .. ولكن نار الحقد إتقدت في العريف الذي بدأ يصرخ في وجوههم " جبناء .. إنكم جبناء .. إنكم تتقاعصون عن أداء واجبكم نحو وطنكم .. ونحو أهلكم وأبنائكم اللذين وضعوا بكم الثقة حتى تدافعوا عنهم .. أونسيتم أنه عدوكم , وإننا بحالة حرب معه ومع بلاده وشعبه .. أنسيتم شبابنا الذين سقطوا برصاصهم ؟ لن أتركه يفلت من أيدينا .. سأقتله وأشفي به غليلي .. أونسيتم أني أعلى رتبة منكم وأنكم تسيرون بأمري .. وعلى ذلك فأنا آمركم بأن تطلقوا النار عليه فورا وتقتلوه .. وإلا كان ما لا يحمد عقباه " كان الرجل مشدوها لما يراه .. ينظر لهؤلاء الغرباء دون أن يعي بما يدور بينهم من حديث صاخب .. كان ينظر إلى وجوههم وكأنه يقرأ ملامحهم باحثاً عن نظرة أمل من هؤلاء الأعداء اللذين يتجادلون بعصبية لأجله .. وسرعان ما قطع عليهم جدالهم موجهاً كلامه للجندي قائلاً " أهو يريد قتلي .. ليكن له مايريده .. لقد سبق وقلت لك إن هذا لا يهمني , فالأهم عندي الآن هو إنقاذ زوجتي " وما أن أكمل الرجل كلامه حتى إنفجر الجندي صارخاً في وجه قائده " لن نقتله , ولن ندعك تقتله وسوف يذهب ولو كلفني ذلك حياتي .. لن أخالف وصية أبي " وهنا وضع يده على خده وأخذ يتحسسه وكأنه يصافح أحداً .. فساله العريف مستهتراً ومستهذئاً به " وبماذا أوصاك والدك يا ولي العهد ؟" .. أجابه وهو ينظر إلى الأفق وكأنه يرى أحداًهناك بعيداً بعيداً عن أنظار الذين يستمعون إليه قائلاً " لقد أوصاني بأن لا أقتل كي لا أقتل .. نعم هذه هي وصيته .. وهذا هو مبدأه .. لن أنسى تلك اللحظات .. لن أنسى حين وقفت أودعه على باب المنزل وأنا أعلم أني ذاهب للموت , فهي أول حرب أشترك فيها منذ تجندت للجيش .. فبعد أن قبلت والدتي وزوجتي وطفلي مودعاً إياهم .. توجهت نحو والدي الذي كان يقف بعيداً بعض الشيء عنهم .. لم يقبلني ولم يمد يده ليصافحني بل صفعني على وجهي .. ذهلت لتصرفه هذا فنظرت إليه مشدوهاً وإذا بي أرى عيونه من خلف دموعه التي صعب عليه أن يحبسها وأن يسلب حريتها .. وأرى في تلك العيون قصة حياة طويلة وتجارب عمر ومآسي ستون عاماً .. ولا زالت كلماته بصوته الذي تخنقة الحشرجات يطن في أذني متوسلا وهو يحتضنني بحرارة ويقبلني " يا إبني إننا نريدك أن تعود لنا سالماً وإن أردت أن تعود إعمل بنصيحتي ولا تضرب بها عرض الحائط .. لقد وقفت مثلك منذ أكثر من ثلاثين عاماً أمام والدي كي أودعه وأنا ذاهب للحرب .. وفعل معي ما فعلته معك الآن .. نعم يابني لقد صفعني , وذهلت تماماً كما ذهلت أنت للوهلة الأولى , ولكنه سرعان ما أوضح لي الأمر .. فقد كنت وحيده يابني كما أنت وحيدي .. أراد أن يعطيني شيئاً يذكرني بوصيته .. لقد كانت وصيته لي يابني بأن لا أقتل كي لا أقتل .. فإنزع من قلبك ومن نيتك فكرة القتل , وإن صادفك جندي لا مانع من أسره . وأما إن صادفت مدنياً أعزل من السلاح سالمه وأمد له يد العون إذا كان بحاجة لشيء ثم أخلي سبيله كي مايعود إلى ذويه لأنه ماخرج من بيته وعرض نفسه للخطر باطلاً بل بالأكيد ورائه شيء هام وخطير دفعه لذلك, وبهذا سوف تعود لنا سالما ً , لأنك سالمت .. نعم يابني إستفد من تجربتي .. لقد خضت ثلاث حروب وعدت منها سالماً لأهلي .. لقد قتل الكثير من زملائي وأصدقائي وأقاربي وكنت أعود .. لقد دافعت عن وطني بكل بسالة ولم أستسلم ولم أكن جباناً فالحرب قد فرضت علينا .. ولكن القتال في الحرب شيء والقتل لنية القتل شيئاً آخر إذهب يا إبني رافقتك السلامة ولا تنسى أن تعود .. نعم هذه هي وصية أبي وأنا أريد أن أعود لأهلي سالماً ولقد إنتهت الحرب ولا مبرر لقتل هذا الإنسان الأعزل والمسالم ..يجب أن نتركه كي يتسنى له إسعاف زوجته "

وفجأة أطلت عليهم عربة عسكرية فتوقفت مستفسرين الأمر .. فأشار العريف إلى الرجل وقال لقائد الدورية " لقد ضبطناه يكسر أمر منع التجوال وها أنا أسلمه لكم كأسير حرب .. ترجل الضابط وتوجه نحو العريف وأدى له تحية وأمسك بشارة ً ووضعها على صدر العريف ومن ثم تبادلا التحية العسكرية وتصافحا .. وإستقل عربته وغابوا وقد إسطحبوا معهم هذا المسكين الذي لا يدري ماهو مصير زوجته .. ستموت حتماً ولربما ماتت .

وواصل أفراد الدورية الثلاثة سيرهم .. كان العريف يمشي مختالاً فخوراً .. فقد حقق نصراً لوطنه بأنه أسر شخصاً لا يهمه ماذا يكون أو من يكون .. وقد حقق له هو شخصياً نصران , الأول أنه قد حصل على ترقية , والثاني كان هزيمته لزملائه الذي كان ينظر إليهم بإستهزاء معلناً نصره عليهم .. بينما هم ينظران إليه بسخط وإستنكار .. وبينما هم سائرون وإذا بجسم غريب ترتطم به قدم العريف كان مستتراً تحت الرمال التي تغطي الشارع .. وإذا بدوي يصم الآذان يخرق السكون ويرفع العريف أشلائاً لينثره في الفضاء .. والقى الجنديان بأنفسهم على الأرض , فقد كانت مسافة تفصل بينهم وبينه مما أتاح لهم فرصة النجاة ولم يصابا بأذى .. وقف الإثنان ينظران أحدهم للآخر وكل منهم فاغراً فاه مشدوهاً لا يصدق ما حدث , وهنا وضع الجندي يده متحسساً خده متذكراً صفعة والده وحديثه إليه ثم قال لزميله بكل أساً وحسرة " ليته كان له أب كوالدي يعلمه كيف تكون السلامة ويوصيه بها .

وبعد شهرين عاد الرجل إلى بيته .. فقد أطلق سراحه .. كانت خطواته أثقل من وقع الأيام .. كان يسير خطوة إلى الأمام , وعشرة للخلف كما يقال .. كانت أفكاره محصورةً بمصير أولاده .. فزوجته حتما قد فارقت الحياة .. وطرق الباب الذي كان موصداً .. وفتح له الأبن الأكبر .. حمله بين ذراعيه وأخذ يقبله ولم يستطع سؤاله عن والدته فهو يعرف الجواب المؤلم .. وإذا بالإبن الأصغر الذي كان يتبع أخاه يصرخ " أمي ..أمي..لقد عاد أبي " القى الأب الولد من بين ذراعيه وهو لا يكاد يصدق أذنيه ..وجرى نحو زوجته ليراها تحمل طفلاً على ذراعها .. فأشارت للطفل وهي تقول لزوجها " هذا هو إبنك " وإستفسر الأمر وكيف حدث ذلك ؟؟ فقالت له " إنه هو الجندي الذي رفض أن يقتلك .. لقد حضر إلى البيت ومعه سيارة الإسعاف التي جائت لتأخذ القتيل الذي كوم إلى جواري داخل كيساً ونقلتنا إلى المستشفى وبقي هو إلى جانبي ولم يتركني إلى أن أنجبت هذا الطفل وإطمئن عليّ وعلى صحة المولود ووعدني بأن لن يترك أمرك أبداً ثم ودعني وطلب مني أن أسمي المولود كإسمه هو (سلام)

تمت
منقولة للكاتب يوسف متى

ابن السريان
السوري
السوري

ذكر
عدد الرسائل : 167
العمر : 53
البلد الأم/الإقامة الحالية : سوريا / ألمانيا
الشهادة/العمل : مهندس معماري
تاريخ التسجيل : 17/10/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى