๑۩۩๑ المملكـــــــــــة الأدبيــــــــــــة ๑۩۩๑
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

إن كنت من أعضاءنا الأكارم يسعدنا أن تقوم بالدخول

وان لم تكن عضوا وترغب في الإنضمام الى اسرتنا
يشرفنا أن تقوم بالتسجيل

العبيدي جو ادارة المملكة الأدبية

نبذة عن الشاعر نزار قباني بقلمه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نبذة عن الشاعر نزار قباني بقلمه

مُساهمة من طرف فاطمة عبدالله في 12/10/2008, 3:11 am


مقدمة

لا أستطيع أن أكتب عن دمشق ,دون أن يعرش الياسمين على أصابعي .
ولا أستطيع أن أنطق اسمها , دون أن يكتظ فمي بعصير المشمش , والرمان , والتوت , والسفرجل
ولا أستطيع أن أتذكرها , دون أن تحط على جدار ذاكرتي الف حمامةٍ ..وتطير ألف حمامة
كل أطفال العالم , يقطعون لهم حبل مشيمتهم عندما يولدون .إلا أنا .
..فإن حبل مشيمتي لم يزل مشدوداً الى رحم دمشق منذ 21 آذار 1923
أنا مسكون بدمشق حتى حين لااسكنها
أولياؤها مدفونون في داخلي
حاراتها تتقاطع فوق جسدي
قططها تعشق ..وتتزوج ...وتترك أطفالها عندي

دمشق ليست صورة منقولة عن الجنه ...انها الجنه
وليست نسخةً ثانيةً للقصيدة ...انها القصيدة
وليست سيفاً أموياً على جدار العروبة ..انها العروبه

سافرت كثيرا ..حتى وصلت الى حائط الصين العظيم
ولكن حمائم الجامع الأموي لاتزال تطلع من جيوبي حيثما اتجهت
ولاتزال القطط الشامية تموء تحت سريري في كل فندق انزل فيه
ولاتزال رائحة الخبيزة والقرنفل تطلع لي من كل حقيبة افتحها

نزار قباني


عدل سابقا من قبل فاطمة عبدالله في 12/10/2008, 3:22 am عدل 1 مرات

_________________


فاطمة عبدالله

اعطي هبة لهذا المنتدى

فاطمة عبدالله
مـشــرفـــــة
مـشــرفـــــة

انثى
عدد الرسائل : 369
البلد الأم/الإقامة الحالية : المملكة الأدبية
الشهادة/العمل : موظفة
الهوايات : قراءة الشعر والخواطر
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الولادة على سرير أخضر

مُساهمة من طرف فاطمة عبدالله في 12/10/2008, 3:13 am

الولادة على سرير أخضر

يوم ولدت في 21 آذار ( مارس ) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة ,
كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة ... وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء .

الأرض وأمي حملتا في وقت واحد ... ووضعتا في وقت واحد
هل كان مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي في الفصل الذي تثور فيه الأرض على نفسها ,
وترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة ؟؟
أم كان مكتوباً علي أن أكون كشهر آذار , شهر التغير والتحولات ؟؟
كل الذي أعرفه أنني يوم ولدت , كانت الطبيعة تنفذ انقلابها على الشتاء .. وتطلب من
الحقول والحشائش والأزهار والعصافير أن تؤيدها في انقلابها ... على روتين الأرض .

هذا ما كان يجري في داخل التراب, أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضدّ الإنتداب
الفرنسي تمتد من الأرياف السورية إلى المدن و الأحياء الشعبية. و كان حي (الشاغور),
حيث كنا نسكن, معقلاً من معاقل المقاومة, و كان زعماء هذه الأحياء الدمشقية من تجار
و مهنيين, و أصحاب حوانيت, يمولون الحركة الوطنية, و يقودونها من حوانيتهم و
منازلهم.

أبي, توفيق القباني, كان واحداً من هؤلاء الرجال, و بيتنا واحداً من تلك البيوت.

و يا طالما جلست في باحة الدار الشرقية الفسيحة, أستمع بشغف طفولي غامر, إلى
الزعماء السياسيين السوريين يقفون في إيوان منزلنا, و يخطبون في ألوف الناس,
مطالبين بمقاومة الإحتلال الفرنسي, و محرضين الشعب على الثورة من أجل الحريّة.

و في بيتنا في حي (مئذنة الشحم) كانت تعقد الإجتماعات السياسية ضمن أبواب مغلقة, و
توضع خطط الإضرابات و المظاهرات و وسائل المقاومة. و كنا من وراء الأبواب نسترق
الهمسات و لا نكاد نفهم منها شيئاً..

و لم تكن مخيلتي الصغيرة في تلك الأعوام من الثلاثينيات قادرة على وعي الأشياء
بوضوح. و لكنني حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الأولى منزلنا
بالبنادق و الحراب و يأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل (تدمر)
الصحراوي..عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويّات..كان يمتهن صناعة
الحريّة.

كان أبي إذن يصنع الحلوى و يصنع الثورة. و كنت أعجب بهذه الإزدواجية فيه, و أدهش
كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة و بين الضراوة..

نزار قباني

_________________


فاطمة عبدالله

اعطي هبة لهذا المنتدى

فاطمة عبدالله
مـشــرفـــــة
مـشــرفـــــة

انثى
عدد الرسائل : 369
البلد الأم/الإقامة الحالية : المملكة الأدبية
الشهادة/العمل : موظفة
الهوايات : قراءة الشعر والخواطر
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أسرتي و طفولتي

مُساهمة من طرف فاطمة عبدالله في 12/10/2008, 3:14 am

أسرتي و طفولتي

في التشكيل العائلي , كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان وبنت , هم المعتز ورشيد وصباح وهيفاء .
أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال . لم يكن أبي غنياً ولم يجمع ثروة , كل
مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه , كان ينفق على إعاشتنا وتعليمنا وتمويل حركات
المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين .

و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين, لأنه أنفق خمسين عاماً من عمره,
يستنشق روائح الفحم الحجري, و يتوسد أكياس السكَّر, و ألواح خشب السحاحير..

و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كلَّ مساء, تحت المزاريب الشتائية كأنه
سفينة مثقوبة..

و إني لأتذّكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم, و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق, كلّما
قرأت كلامَ من يتّهمونني بالبرجوازية و الأنتماء إلى الطبقة المرفهة, و السلالات
ذات الدم الأزرق..

أي طبقة.. و أي دم أزرق.. هذا الذي يتحدثون عنه؟

إن دمي ليس ملكيا , ولا شاهانيا , وإنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقية الطيبة
التي كانت تكسب رزقها بالشرف والاستقامة والخوف من الله ...


طفولتي قضيتها تحت ( مظلة الفيء والرطوبة ) التي هي بيتنا العتيق في ( مئذنة الشحم )
كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي , كان الصديق , والواحة , والمشتى , والمصيف ...

أستطيع الآن أن أغمض عيني وأعد مسامير أبوابه , واستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته .
أستطيع الآن أن أعد بلاطاته واحدة ... واحدة .. واسماك بركته واحدة ... واحدة ...
وسلالمه الرخامية درجة ... درجة ...
أستطيع أن أغمض عيني, و أستعيد, بعد ثلا ثيين سنة مجلسَ أبي في صحن الدار, و أمامه
فنجان قهوته, و منقله, و علبة تبغه, و جريدته.. و على صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس
دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حبّ قادمة من السماء..

على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلاط الدار ذاكرتُ دروسي, و كتبتُ فروضي, و
حفظتُ قصائد عمر بن كلثوم, و زهير, و النابغة الذبياني, و طرفة بن العبد..

هذا البيت-المظّلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة و قرطبة و
إشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.

هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر ؟؟
بيتنا كان تلك القارورة .
إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ , ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا اظلم قارورة العطر ... وإنما أظلم دارنا .
والذين سكنوا دمشق , وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة , يعرفون كيف تفتح لهم
الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون ...
ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر ... ولدت , وحبوت , ونطقت كلماتي الأولى ....
كان اصطدامي بالجمال قدراً يوميا .
كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة ...
وإذا سقطت اسقط على حضن وردة ...
هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري وأفقدني شهية الخروج إلى الزقاق ...
كما يفعل كل الصبيان في كل الحارات .. ومن هنا نشأ عندي هذا الحس ( البيتوتي ) الذي
رافقني في كل مراحل حياتي .
قراءة الشعر في دمشق لها مذاق مختلف , ونكهة أخرى , وقراءة الشعر على طلاب وطالبات
وطني , هي نوع من العزف المنفرد على أعصاب القلب ....
في دمشق لا أستطيع أن أكون محايداً ...
فكما لا حياد مع امرأة نحبها .. فلا حياد مع مدينة أصبح ياسمينها جزءاً من دورتي الدموية ,
وأصبح عشقي لها فضيحة معطرة تتناقلها أجهزة الإعلام .
هذه المدينة تخضني , تشعلني , تضيئني , تكتبني ,
ترسمني باللون الوردي , تزرعني قمحاً وشعراً وحروفاً أبجدية , تغير تقاطيع وجهي ,
تحدد طول قامتي , تختار لون عيني , تؤكدني , تجددني , تقبلني , على فمي فيتغير
تركيب دمي ...
في الشام لا أستطيع إلا أن أكون شامياً ...
لابد لي أن أخترع لغة استثنائية لهذه المدينة الاستثنائية .
لابد لي من الذهاب إلى الحد الأقصى للعشق ... أو إلى الحد الأقصى للشعر .. حتى
أتفاهم مع دمشق , وأتفاهم معكم ....
الواقع أن دمشقيتي هي نقطة ضعفي وقوتي معاً ...
إن دمشق تتكمش بي كما يتكمش الرضيع بثدي أمه ....
مزروعة بي دمشق , كما الحلق الأسباني مزروع في آذان الأسبانيات . مستوطنة في صوتي ,
في حبري , وفي دفاتري , كما يستوطن السكر في شرايين العنقود .
كل حروف أبجديتي مقتلعة حجراً حجراً من بيوت دمشق ... وأسوار بساتينها , وفسيفساء جوامعها ...
قصائدي كلها معمرة على الطراز الشامي ...
كل ألف رسمتها على الورق هي مئذنة دمشقية ..
كل ضمة مستديرة هي قبة من قباب الشام ...
كل حاء هي حمامة بيضاء في صحن الجامع الأموي ....
كل عين هي عين ماء ...
كل شين هي شجرة مشمش مزهرة ..
كل سين هي سنبلة قمح ...
كل ميم هي امرأة دمشقية .... وما أكثر الميمات في دواوين شعري ...

وهكذا تستوطن دمشق كتاباتي , وتشكل جغرافيتها جزءاً من جغرافية أدبي
لا يمكن الفصل أبداً بين الحبر الذي أكتب به , وبين انهار دمشق السبعة ...
لا يمكن الفصل أبداً بين صوتي وبين أصوات المؤذنين الذين يؤذنون لصلاة الفجر في
أحياء الميدان , والقيمرية , وسوق ساروجة , والصالحية .

إن الشعر يبقى بخير طالما هو معكم , وطالما ظللتم تعطونه من إيقاعات نبضكم , وتفجر شبابكم ...
قد تكون رحلتي مع الشعر متعبة ,
وقد تحرمكم النوم والطمأنينة ..
ولكن ....
من قال إن وظيفة الشعر هي أن يحمل لأجفانكم النوم ,
ولقلوبكم الطمأنينة؟.
إن وظيفة الشعر هي أن يغتال الطمأنينة ...
وهذا ما قررت أن افعله ..

نزار قباني

_________________


فاطمة عبدالله

اعطي هبة لهذا المنتدى

فاطمة عبدالله
مـشــرفـــــة
مـشــرفـــــة

انثى
عدد الرسائل : 369
البلد الأم/الإقامة الحالية : المملكة الأدبية
الشهادة/العمل : موظفة
الهوايات : قراءة الشعر والخواطر
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ويتابع

مُساهمة من طرف فاطمة عبدالله في 12/10/2008, 3:17 am


ويتابع

وراثياً,
في حديقة الأسرة شجرة كبيرة..كبيرة..إسمها أبو خليل القباني. إنه عمّ
والدتي و شقيق جدّ والدي..

قليلون منكم_ربّما_ من يعرفون هذا الرجل.

قليلون من يعرفون أنه هزّ مملكة, و هزَّ باب (الباب العالي) و هزَّ مفاصل الدولة
العثمانيَّة, في أواخر القرن التاسع عشر.

أعجوية كان هذا الرجل. تصوَّرووا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب
فيها الدواب إلى مسارح..و يجعل من دمشق المحافظة, التقيّة, الورعة..(برودواي)
ثانية..

خطيرة كانت أفكار أبي خليل.و أخطر ما فيها أنه نفَّذها.. و صُلب من أجلها..

أبو خلبل القبّاني كان إنسكلوبيديا بمئة مجلد و مجلد.. يؤلف الروايات, و يخرجها, و
يكتب السيناريو, و يضع الحوار الحوار, و يصمم الأزياء, و يغني و يمثل, و يرقص, و
يلحّن كلام المسرحيات, و يكتب الشعر بالعربية و الفارسيّة.

و حين كانت دمشق لا تعرف من الفن المسرحيّ غير خيمة (قره كوز) و لا تعرف من
الأبطال, غير أبي زيد الهلالي, و عنترة, و الزير..كان أبو خليل يترجم لها راسّين عن
الفرنسية..

و في غياب العنصر النسائي, اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملابس النساء, و إسناد
الأدوار النسائية إليهم, تماماً مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري.

و طار صواب دمشق, و أصيب مشايخها, و رجال الدين فيها بإنهيار عصبيّ, فقاموا بكل ما
يملكون من وسائل, و سلّطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه و رواحه, و هجوه بأقذر
الشعر, و لكنه ظل صامداً, و ظلّت مسرحياته تعرض في خانات دمشق, و يقبل عليها
الجمهور الباحث عن الفن النظيف.

و حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل, ألفوا وفداً ذهب إلى الأستانة و
قابل الباب العالي, و أخبره أنَّ أبا خليل القباني يشكل خطراً على مكارم الأخلاق, و
الدين, و الدولة العليّة, و أنه إذا لم يُغْلَق مسرحه, فسوف تطير دمشق من يد آل
عثمان..و تسقط الخلافة.

طبعاً خافت الخلافة على نفسها, و صدر فرمان سلطاني بإغلاق أول مسرح طليعي عرفه
الشرق و غادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر, و ودّعته دمشق كما تودّع كلُّ المدن
المتجرة موهوبيها, أي بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..

و في مصر, التي كانت أكثر إنفتاحاً على الفن, و أكثر فهماً لطبيعة العمل الفني,
أمضى أبو خليل بقيَّة أيام حياته, و وضع الحجر الأول في بناء المسرح الغنائي
المصري.

إن انقضاض الرجعيّة على أبي خليل, هو أول حادث استشهاد فنيّ في تاريخ أسرتنا..و حين
افكر في جراح أبي خليل, و في الصليب الذي حمله على كتفيه, و في ألوف المسامير
المغروزة في لحمه, تبدو جراحي تافهة..و صليبي صغيراً صغيراً

فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..حين نشرتُ عام 1954
قصيدتي (خبز و حشيش و قمر)..

العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل طالبت بشنقي..و الذقون المحشوّة بغبار
التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي..

(خبز و حشيش و قمر) كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني و بين الخرافة..و بين التاريخين..

نزار قباني
1970

_________________


فاطمة عبدالله

اعطي هبة لهذا المنتدى

فاطمة عبدالله
مـشــرفـــــة
مـشــرفـــــة

انثى
عدد الرسائل : 369
البلد الأم/الإقامة الحالية : المملكة الأدبية
الشهادة/العمل : موظفة
الهوايات : قراءة الشعر والخواطر
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

دارنا الدمشقية

مُساهمة من طرف فاطمة عبدالله في 12/10/2008, 3:20 am


دارنا الدمشقية

لا بدَّ من العودة مرةً أخرى إلى الحديث عن دار (مئذنة الشحم) لأنها المفتاح إلى
شعري, و المدخل الصحيح إليه.

و بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة, و منتزعة من إطارها.

هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة.

إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ,و لكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة
العطر ..و إنما أظلم دارنا.

و الذين سكنوا دمشق, و تغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة, يعرفون كيف تفتح لهم
الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون...

بوّابة صغيرة من الخشب تنفتح. و يبدأ الإسراء على الأخضر, و الأحمر, و الليلكيّ, و
تبدء سمفونية الضوء و الظّل و الرخام.

شجرة النارنج تحتضن ثمارها, و الدالية حامل, و الياسمينة ولدت ألف قمر أبيض و
علقتهم على قضبان النوافذ..و أسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..

أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. و تنفخه.. و تستمر اللعبة
المائية ليلاً و نهاراً..لا النوافير تتعب.. و لا ماء دمشق ينتهي..

الورد البلديّ سجَّاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. و اللَّيلكَة تمشط شعرها البنفسجي, و
الشِمشير, و الخبَّيزة, و الشاب الظريف,و المنثور, و الريحان, و الأضاليا.. و ألوف
النباتات الدمشقية التي أتذكَّر ألوانها و لا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على
أصابعي كلَّما أرت أن أكتب..

القطط الشامِّية النظيفة الممتلئة صحةً و نضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها
و رومانتيكيتها بحريّة مطلقة, و حين تعود بعد هجر الحبيب و معها قطيع من صغارها
ستجد من يستقبلها و يُطعمها و يكفكف دموعها..

الأدراج الرخاميّة تصعد.. و تصعد..على كيفها..و الحمائم تهاجر و ترجع على كيفها..
لا أحد يسألها ماذا تفعل؟ و السمكُ الأحمر يسبح على كيفه.. و لا أحد يسأله إلى أين؟


و عشرون صحيفة فثلّ في صحن الدار هي كل ثروة أمي.

كلُّ زّر فّلٍ عندها يسلوي صبيّاً من أولادها.. لذاك كلما غافلناها و سرقنا ولداً
من أولادها..بكتْ..و شكتنا إلى الله..


***

ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. و لدتُ, و حبوتُ, و نطقتُ كلماتي الأولى.

كان إصطدامي بالجمال قدراً يومياً. كنتُ إذا تعثّرتُ أتعثّر بجناح حمامة.. و إذا
سقطتُ أسقط على حضن وردة..

هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري و أفقدني شهِّية الخروج إلى
الزقاق.. كما يفعل الصبيات في كل الحارات.. و من هنا نشأ عندي هذا الحسُّ
(البيتوتّي) الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي.

إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الإكتفاء الذاتي, يجعل التسَّكع على أرصفة الشوارع, و
اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال, عملاً ترفضه طبيعتي.

و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكادمية المقاهي, فإنني لم أكن من
متخرّجيها.

لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة, له طقوسه و مراسمه و طهارته, و
كان من الصعب عليَّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجادّ من نرابيش النراجيل, و
طقطقة أحجار النرد..


***

طفولتي قضيتها تحت (مظلّة الفيْ و الرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في (مئذنة الشحم).

كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي, كان الصديق, و الواحة, و المشتى, و المصيف..

أستطيع الآن, أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه, و أستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.

أستطيع الآن أن أعدّ بلاطاته واحدةً..واحدة.. و أسماك بركته واحدةً..واحدة.. و سلالمه الرخاميّة درجةً..درجة..

أستطيع أن أغمض عيني, و أستعيد, بعد ثلا ثيين سنة مجلسَ أبي في صحن الدار,
و أمامه فنجان قهوته, و منقله, و علبة تبغه, و جريدته..
و على صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء..
كأنها رسالة حبّ قادمة من السماء..

على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلاط الدار ذاكرتُ دروسي, و كتبتُ فروضي,
و حفظتُ قصائد عمر بن كلثوم, و زهير, و النابغة الذبياني, و طرفة بن العبد..

هذا البيت-المظّلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة و قرطبة و
إشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.

القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطّاةً بقشرة كثيفة من الغبار
الصحراوي.. و حين دخلتْ منطقة الماء و البرودة في جبال (سييرا نيفادا) و شواطئ نهر الوادي الكبير..

و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول قرطبة, خلعت ملابسها و ألقت نفسها
في الماء.. و من هذا الإصطدام التاريخي بين الظمأ و الريّ..وُلِدَ الشعر الأندلسيّ..

هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الإنقلاب الجذريّ في القصيدة العربية حين سافرتْ إلى إسبانيا في القرن السابع.

إنها بكل بساطة دخلتْ إلى قاعة مكيّفة الهواء..

و الموشحات الأندلسية ليست سوى (قصائد مكيفة الهواء)..

و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي, امتلأت طفولتي رطوبة,
و امتلأت دفاتري رطوبة, و امتلأت أبجديتي رطوبة..

هذه اللغة الشاميّة التي تتغلغل في مفاصل كلماتي, تعلَّمتها في البيت-المظّلة الذي حدثتكم عنه..

و لقد سافرت كثيراً بعد ذلك, و ابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي نحو
عشرين عاماً و تعلمت لغاتً كثيرة أخرى, إلاَّ أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة
بأصابعي و حنجرتي, و ثيابي. و ظللتُ ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كلَّ ما في
أحواض دمشق, من نعناعٍ, و فلّ, و ورد بلدي..

إلى كل فنادق العالم التي دخلتُها..حملتُ معي دمشق, و نمت معها على سريرٍ واحد.



نزار قباني

* * * * *
مقاطع من كتاب دمشق نزار قباني
1970


مع تحيات فاطمة

_________________


فاطمة عبدالله

اعطي هبة لهذا المنتدى

فاطمة عبدالله
مـشــرفـــــة
مـشــرفـــــة

انثى
عدد الرسائل : 369
البلد الأم/الإقامة الحالية : المملكة الأدبية
الشهادة/العمل : موظفة
الهوايات : قراءة الشعر والخواطر
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نبذة عن الشاعر نزار قباني بقلمه

مُساهمة من طرف سلسبيل العيني في 1/2/2009, 2:39 am

أحببت أن أضيف قطرات إلى نهرك المتدفق
يقول نزار عن أمه (احببت أمي بتعلق كنت ابنها المفضل .....المصروف لي اكثر من غيري والصنيبر واللحم تخفيه عن اخوتي تحت الأرز لأستمتع بنصيب وافر منه وحدي)
وقد كتب نزار لها في ديوانه "الرسم بالكلمات"
خمس رسائل الى أمي:
ايا أمي أنا لولد الذي ابحر
ولازلت بخواطره
تعيش عروسة السكر

نقلا عن كتاب احلى عشرين قصيدة قصيدة حب
دراسة وتقديم سعيد عثمان

سلسبيل العيني
قلم واعد
قلم واعد

انثى
عدد الرسائل : 10
العمر : 26
البلد الأم/الإقامة الحالية : القاهرة
الشهادة/العمل : طالبه جامعيه بكلية الالسن
الهوايات : المطالعه والابحاث
تاريخ التسجيل : 19/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى